ابن بسام

324

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وجهته تلك ، سجن ابن عمار داخل القصر على قرب منه ، وأحضره مرارا بين يديه ، يعدّد ذنوبه عليه ، فبقي مدّة كذلك ، في سجنه هنالك ، لا يتنفّس ولا يتحرك إلا تحت سمع وعين ، فاستدعى يوما سحاءة ودواة فبعث إليه بزوج كاغد ، فكتب إلى المعتمد شعرا استرحمه فيه ، فعطف عليه وأحضره ليلته تلك ، ووعده بالعفو عنه ، فخاطب ابن عمّار من حينه الرشيد بذلك ، فلمح تلك المخاطبة عيسى بن الأعلم « 1 » وزيره يومئذ ، فتحدّث بالأمر ، وذاع السّرّ ، وانتهى الخبر إلى الوزير أبي بكر ابن زيدون صاحب الدولة وقته « 2 » ، وعداوته لابن عمّار أوضح من أن تشرح ، فدمغته من ذلك دامغة ، وبات بليلة النابغة ، وتخلّف عن الركوب إلى القصر صبيحة الغد ، حتى ورده رسول المعتمد ، وحدس « 3 » أنّ مجلس سرّه مع ابن عمار وصل إليه ، واستفهمه فوجد نصّ المجلس عنده ، / فازداد حنقا على ابن عمّار الحائن « 4 » ، وحرّك ضغنه الساكن ، فقال لأحد الصقالب : سل ابن عمّار كيف وجد السبيل ، مع عظيم الترقيب ، إلى إفشاء ما أخذت معه فيه « 5 » ، فلما سأله أنكر ، قال المعتمد : فما أراد بالكاغد الذي طلب ؟ قال : إنه أخبر أنه كتب إليك فيه بشعر ، قال : هو في ورقة مفردة ، فما فعل بالأخرى من الزّوج الكاغد المبعوث به إليه ؟ قال : كتب فيه مسوّدة ذلك الشعر ، قال المعتمد : خذها منه لأقف على ذلك ؛ فلما لم يجد بدّا من النطق بالصدق ، رجع إلى الحقّ ، وقال : إني خاطبت الرشيد بما وعدني به مولانا من العفو ، فاتقد « 6 » المعتمد ، وقام من فوره كما كان ، وأخذ طبرزينا « 7 » ، وجاء إلى موضع ابن عمار الذي كان فيه مسجونا ، ودخل إليه ، ففزع - كما كان في قيوده - إلى تقبيل رجليه ، فضربه به ، ثم أمر بأن يتمّ عليه ، وأخرج ووري في قيوده ، خارج باب القصر المبارك المعروف في إشبيلية بباب النخيل ، فمضى رحمه اللّه على هذا السبيل . واتفق بأن وقع حفر بموضع رمسه من ذلك المكان ، لبنيان عرض فيه بعد نيّف على عشرين سنة من مقتله ، فأخبرني

--> ( 1 ) هو عيسى بن يوسف بن سليمان الشنتمري ، ولد أبي الحجاج الأعلم اللغوي المشهور ، روى عن أبيه واختص بعبيد اللّه بن المعتمد حتى استوزره ونال معه دنيا عريضة ( الذيل والتكملة 5 : 515 ، والتكملة : 409 ) . ( 2 ) د : في وقته . ( 3 ) ط : وحدس إليه ؛ ك : وحدس عليه . ( 4 ) ك : الخائن . ( 5 ) الحلة : معه البارحة فيه . ( 6 ) ط : فالتقد ؛ د : فانفد . ( 7 ) اضطربت كتابة اللفظة في ط م س ك ل ( ط : طبر بزيرا ، وفوقها : كذا ) .